ابن كثير
415
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
ظلما كثيرا ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة من عندك ، وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم » والأحاديث في الاستغفار كثيرة . [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 200 إلى 202 ] فَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ ( 200 ) وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذابَ النَّارِ ( 201 ) أُولئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ ( 202 ) يأمر تعالى بذكره والإكثار منه بعد قضاء المناسك وفراغها ، وقوله كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ اختلفوا في معناه ، فقال ابن جريج عن عطاء : هو كقول الصبي أبه أمه ، يعني كما يلهج الصبي بذكر أبيه وأمه ، فكذلك أنتم فالهجوا بذكر اللّه بعد قضاء النسك ، وكذا قال الضحاك والربيع بن أنس ، وروى ابن جرير من طريق العوفي عن ابن عباس نحوه ، وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس : كان أهل الجاهلية يقفون في الموسم فيقول الرجل منهم : كان أبي يطعم ويحمل الحمالات « 1 » ، ويحمل الديات ، ليس لهم ذكر غير فعال آبائهم ، فأنزل اللّه على محمد صلّى اللّه عليه وسلّم فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً . قال ابن أبي حاتم : وروى السدي ، عن أنس بن مالك وأبي وائل وعطاء بن أبي رباح في أحد قوليه وسعيد بن جبير وعكرمة في أحد رواياته ، ومجاهد والسدي وعطاء الخراساني والربيع بن أنس والحسن وقتادة ومحمد بن كعب ومقاتل بن حيان نحو ذلك ، وهكذا حكاه ابن جرير عن جماعة واللّه أعلم ، والمقصود منه الحث على كثرة الذكر للّه عز وجل ، ولهذا كان انتصاب قوله ، « أو أشد ذكرا » على التمييز ، تقديره : كذكركم آباءكم أو أشد ذكرا ، وأو - هاهنا - لتحقيق المماثلة في الخبر كقوله فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً [ البقرة : 74 ] وقوله يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً [ النساء : 77 ] وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ [ الصافات : 147 ] فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى [ النجم : 9 ] فليست هاهنا للشك قطعا ، وإنما هي لتحقيق المخبر عنه كذلك أو أزيد منه . ثم إنه تعالى أرشد إلى دعائه بعد كثرة ذكره فإنه مظنة الإجابة ، وذم من لا يسأله إلا في أمر دنياه وهو معرض عن أخراه ، فقال فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ أي من نصيب ولاحظ ، وتضمن هذا الذم والتنفير عن التشبه بمن هو كذلك ، قال سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : كان قوم من الأعراب يجيئون إلى الموقف فيقولون : اللهم اجعله عام غيث ، وعام خصب ، وعام ولاد حسن ، لا يذكرون من أمر الآخرة شيئا ، فأنزل اللّه
--> ( 1 ) الحمالة : الدية أو الغرامة يحملها قوم عن قوم ، أو إنسان عن غيره .